الشوكاني
180
فتح القدير
المعنى : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ، ثم أتل إيتاء موسى الكتاب ، وقيل إن التوصية المعطوف عليها قديمة لم يزل كل نبي يوصي بها أمته ، وقيل إن ثم للتراخي في الإخبار كما تقول : بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت بالأمس أعجب . قوله ( تماما ) مفعول لأجله أو مصدر ، و ( على الذي أحسن ) قرئ بالرفع وهي قراءة يحيى ابن يعمر وابن أبي إسحاق ، فيكون رفع أحسن على تقدير مبتدأ : أي على الذي هو أحسن ، ومنه ما حكى سيبويه عن الخليل أنه سمع : ما أنا بالذي قائل لك شيئا . وقرأ الباقون بالنصب على أنه فعل ماض عند البصريين ، وأجاز الفراء والكسائي أن يكون اسما نعتا للذي ، وهذا محال عند البصريين لأنه نعت للاسم قبل أن يتم ، والمعنى عندهم تماما على من أحسن قبوله والقيام به كائنا من كان ، ويؤيد هذا أن ابن مسعود قرأ ( تماما على الذين أحسنوا ) وقال الحسن : كان فيهم محسن وغير محسن ، فأنزل الله الكتاب تماما على المحسنين ، وقيل المعنى : أعطينا موسى التوراة زيادة على ما كان يحسنه موسى مما علمه الله قبل نزول التوراة عليه ، وقيل المعنى : تماما على الذي أحسن به الله عز وجل إلى موسى من الرسالة وغيرها ، وقيل : تماما على إحسان موسى بطاعة الله عز وجل قاله الفراء . قوله ( وتفصيلا لكل شئ ) معطوف على تماما : أي ولأجل تفصيل كل شئ وكذا ( هدى ورحمة ) معطوفتان عليه : أي وللهدى والرحمة ، والضمير في لعلهم راجع إلى بني إسرائيل المدلول عليه بذكر موسى ، والباء في ( بلقاء ) متعلقة بيؤمنون . قوله ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك ) الإشارة إلى القرآن ، واسم الإشارة مبتدأ وخبره كتاب ، وأنزلناه صفة لكتاب ومبارك صفة أخرى له ، وتقديم صفة الإنزال لكون الإنكار متعلقا بها ، والمبارك كثير البركة لما هو مشتمل عليه من المنافع الدنيوية والدينية ( فاتبعوه ) فإنه لما كان من عند الله وكان مشتملا على البركة ، كان اتباعه متحتما عليكم ( واتقوا ) مخالفته والتكذيب بما فيه ( لعلكم ) إن قبلتموه ولم تخالفوه ( ترحمون ) برحمة الله سبحانه ، وأن في ( أن تقولوا ) في موضع نصب . قال الكوفيون : لئلا تقولوا . وقال البصريون : كراهة أن تقولوا . وقال الفراء والكسائي : المعنى فاتقوا أن تقولوا يا أهل مكة ( إنما أنزل الكتاب ) : أي التوراة والإنجيل ( على طائفتين من قبلنا ) وهم اليهود والنصارى ولم ينزل علينا كتاب ( وإن كنا عن دراستهم ) أي عن تلاوة كتبهم بلغاتهم ( لغافلين ) أي لا ندري ما فيها ، ومرادهم إثبات نزول الكتابين مع الاعتذار عن اتباع ما فيهما بعدم الدراية منهم والغفلة عن معناهما . قوله ( أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب ) معطوف على ( تقولوا ) أي أو أن تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب كما أنزل على الطائفتين من قبلنا ( لكنا أهدى منهم ) إلى الحق الذي طلبه الله ، فإن هذه المقالة والمعذرة منهم مندفعة بإرسال محمد صلى الله عليه وآله وسلم إليهم وإنزال القرآن عليه ، ولهذا قال ( فقد جاءكم بينة من ربكم ) أي كتاب أنزله الله على نبيكم ، وهو منكم يا معشر العرب ، فلا تعتذروا بالأعذار الباطلة وتعللوا أنفسكم بالعلل الساقطة ، فقد أسفر الصبح لذي عينين ( وهدى ورحمة ) معطوف على ( بينة ) أي جاءكم البينة الواضحة والهدى الذي يهتدى به كل من له رغبة في الاهتداء ، ورحمة من الله يدخل فيها كل من يطلبها ويريد حصولها . ولكنكم ظلمتم أنفسكم بالتكذيب بآيات الله والصدوف عنها : أي الانصراف عنها ، وصرف من أراد الإقبال إليها ( فمن أظلم ممن كذب بآيات الله ) التي هي رحمة وهدى للناس ( وصدف عنها ) فضل بانصرافه عنها ، وأضل بصرف غيره عن الإقبال إليها ( سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب ) أي العذاب السيئ ب ( سبب ( ما كانوا يصدفون ) وقيل معنى صدف : أعرض ، ويصدفون يعرضون ، وهو مقارب لمعنى الصرف ، وقد تقدم تحقيق معنى هذا اللفظ ، والاستفهام في فمن أظلم للإنكار : أي إنكار أن يكون أحد أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها مع ما يفيده ذلك من التبكيت لهم .